ابن قيم الجوزية
91
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
قيل : لفظ الإرادة في كتاب اللّه نوعان : إرادة كونية شاملة لجميع المخلوقات كقوله فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) [ البروج ] وقوله وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ( 16 ) [ الإسراء ] وقوله إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ ( 34 ) [ هود ] ونظائر ذلك . وإرادة دينية أمرية ، لا يجب وقوع مرادها كقوله يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ( 185 ) [ البقرة ] وقوله وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ( 27 ) [ النساء ] فهي مرادة بالمعنى الأول غير مرادة بالمعنى الثاني ، وكذلك قيل : هل هي واقعة بإذنه أم لا ؟ والإذن أيضا نوعان : كونيّ كقوله وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ( 102 ) [ البقرة ] وديني أمري كقوله آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ( 59 ) [ يونس ] وقوله أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ( 39 ) [ الحج ] . ولفظ الاختيار مشتق من الخير المخالف للشر ، ولما كان الأصل في الحي أنه يريد ما ينفعه وما هو خير ، سميت الإرادة اختيارا ؛ وهذا يتضمن أن الإرادة لا ترجّح نوعا على نوع إلا لمرجّح رجّح ذلك النوع عند الفاعل ، والمقصود أنه يذكر العلم عند التخصيصات كقوله تعالى وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 32 ) [ الدخان ] . لا خلاف بين الناس أن المعنى : على علم منا بأنهم أهل الاختيار ، فالجملة في موضع نصب على الحال ، أي : اخترناهم عالمين بهم وبأحوالهم وما يقتضي اختيارهم من قبل خلقهم . ذكر سبحانه اختيارهم وحكمته في اختياره إياهم ، وذكر علمه الدال على مواضع حكمته واختياره ، ومن هذا قوله سبحانه * وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ( 51 ) [ الأنبياء ] وأصح الأقوال في الآية أن المعنى : من قبل نزول التوراة فإنه سبحانه قال وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) [ الأنبياء ] وقال وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 50 ) [ الأنبياء ] ثم قال : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ذلك ، ولهذا قطعت « قبل » عن الإضافة ، وبنيت ، لأن المضاف